فصل: مدخل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام



.كتاب الصيام:

.مدخل:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: فيه صريح الرد على الروافض الذين يريدون تقديم الصوم على الرؤية لأن رمضان اسم لما بين الهلالين فإذا صام قبله بيوم فقد تقدم عليه.
الثاني: فيه تبيين لمعنى الحديث الآخر الذي فيه: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» وبيان أن اللام للتأقيت لا للتعليل كما زعمت الروافض ولو كانت للتعليل لم يلزم تقديم الصوم على الرؤية أيضا كما تقول: أكرم زيدا لدخوله فلا يقتضي تقديم الإكرام على الدخول ونظائره كثيرة وحمله على التأقيت لابد فيه من احتمال تجاوز وخروج عن الحقيقة لأن وقت الرؤية وهو الليل لا يكون محلا للصوم.
الثالث: فيه دليل على أن الصوم المعتاد إذا وافقت العادة فيه ما قبل رمضان بيوم أو يومين أنه يجوز صومه ولا يدخل تحت النهي وسواء كانت العادة بنذر أو بسرد عن غير نذر فإنهما يدخلان تحت قوله: «إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه».
الرابع: فيه دليل على كراهية إنشاء الصوم قبل الشهر بيوم أو يومين بالتطوع فإنه خارج عما رخص فيه ولا يبعد أن يدخل تحته النذر المخصوص باليوم من حيث اللفظ ولكنه تعارضه الدلائل الدالة على الوفاء بالنذر.
2- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: أنه يدل على تعليق الحكم بالرؤية ولا يراد بذلك رؤية كل فرد بل مطلق الرؤية ويستدل به على عدم تعليق الحكم بالحساب الذي يراه المنجمون وعن بعض المتقدمين أنه رأى العمل به وركن إليه بعض البغداديين من المالكية وقال به بعض أكابر الشافعية بالنسبة إلى صاحب الحساب وقد استشنع هذا لما حكي عن مطرف بن عبد الله من المتقدمين قال بعضهم: ليته لم يقلها.
والذي أقول به أن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمفارقة القمر للشمس على ما يراه المنجمون من تقدم الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلا فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي وليس حقيقة الرؤية بشرط من اللزوم لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدة أو بالاجتهاد بالإمارات إن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه.
الثاني: يدل على وجوب الصوم على المنفرد لرؤية هلال رمضان وعلى الإفطار على المنفرد برؤية هلال شوال ولقد أبعد من قال بأنه لا يفطر إذا انفرد برؤية هلال شوال ولكن قالوا: يفطر سرا.
الثالث: اختلفوا في أن حكم الرؤية ببلد هل يتعدى إلى غيرها مما لم ير فيه؟ وقد يستدل بهذا الحديث من قال بعدم تعدي الحكم إلى البلد الآخر كما إذا فرضنا أنه رئي الهلال في ببلد في ليلة ولم ير في تلك الليلة بآخر فتكلمت ثلاثون يوما بالرؤية الأولى ولم ير في البلد الآخر هل يفترون أم لا؟ فمن قال بتعدي الحكم قال بالإفطار وقد وقعت المسألة في زمن ابن عباس وقال لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه وقال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمكن أنه أراد بذلك هذا الحديث العام لا حديثا خاصا بهذه المسألة وهو الأقرب عندي والله أعلم.
الرابع: استدل لمن قال بالعمل بالحساب في الصوم بقوله: «فاقدروا له» فإنه أمر يقتضي التقدير وتأوله غيرهم بأنه المراد إكمال العدة الثلاثين ويحمل قوله: «فاقدروا له» على هذا المعنى أعني إكمال العدة الثلاثين كما جاء في الرواية الأخرى مبينا: «فأكملوا العدة ثلاثين».
والمراد بقوله عليه السلام: «غم عليكم» استتر أمر الهلال وغم أمره وقد وردت فيه روايات على غير هذه الصيغة.
3- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة».
فيه دليل على استحباب السحور للصائم وتعليل ذلك بأن فيه بركة وهذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادته ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية لقوة البدن على الصوم وتيسيره من غير إجحاف به.
و«السَّحور» بفتح السين ما يتسحر به وبضمها الفعل هذا هو الأشهر والبركة محتملة لأن تضاف إلى كل واحد من الفعل والمتسحر به معا وليس ذلك من باب حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين بل من باب استعمال لمجاز في لفظة في وعلى أن يجوز أن يقال في أن في السحور بفتح السين وهو الأكثر وفي السحور بضمها.
ومما علل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب فإنه يمتنع عندهم السحور وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأمور الأخروية.
4- عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية».
فيه دليل على استحباب تأخير السحور وتقريبه من الفجر والظاهر أن المراد بالأذان هاهنا الأذان الثاني وإنما يستحب تأخيره لأنه أقرب إلى حصول المقصود من حفظ القوى وللمتصوفة وأرباب البطن في هذا الكلام تشوفوا فيه إلى اعتبار معنى الصوم وحكمته وهو كسر شهوة البطن والفرج وقالوا: إن من لم تتغير عليه عادته في مقدار أكله لا يحصل له المقصود من الصوم وهو كسر الشهوتين.
والصواب إن شاء الله أن ما زاد في المقدار حتى تعدم هذه الحكمة بالكلية لا يستحب كعادة المترفين في التأنق في المآكل والمشارب وكثرة الاستعداد فيها وما لا ينتهي إلى ذلك فهو مستحب على وجه الإطلاق وقد تختلف مراتب هذا الاستحباب باختلاف مقاصد الناس وأحوالهم واختلاف مقدار ما يستعملون.
5- عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم».
كان قد وقع خلاف في هذا فروى فيه أبو هريرة حديثا «من أصبح جنبا فلا صوم له» إلى أن روجع في ذلك بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرت بما ذكر من كونه: «كان يصبح جنبا ثم يصوم» وصح أيضا: «أنه أخبر بذلك عن نفسه» وأبو هريرة أحال في روايته على غيره واتفق الفقهاء على العمل بهذا الحديث وصار ذلك إجماعا أو كالإجماع.
وقولها: «من أهله» فيه إزالة لاحتمال يمكن أن يكون سببا لصحة الصوم فإن الاحتلام في المنام آت على غير اختيار من الجنب فيمكن أن يكون سببا للرخصة فبين في هذا الحديث أن هذا كان من جماع ليزول هذا الاحتمال ولم يقع خلاف بين الفقهاء المشهورين في مثل هذا إلا في الحائض إذا طهرت وطلع عليها الفجر قبل أن تغتسل ففي مذهب مالك في ذلك قولان- أعني في وجوب القضاء- وقد يدل كتاب الله أيضا على صحة صوم من أصبح جنبا فإن قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم مطلقا ومن جملته الوقت المقارب لطلوع الفجر بحيث لا يسع الغسل فتقتضي الآية الإباحة في ذلك الوقت ومن ضرورته الإصباح جنبا والإباحة لسبب الشيء إباحة للشيء وقولها: (من أهله) فيه حذف مضاف أي من جماع أهله.
6- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه».
اختلف الفقهاء في أكل الناسي للصوم هل يوجب الفساد أم لا؟ فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يوجب وذهب مالك إلى إيجاب القضاء وهو القياس فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر في طلب المأمورات وعمدة من لم يوجب القضاء هذا الحديث وما في معناه أو ما يقاربه فإنه أمر بالإتمام وسمي الذي يتم صوما وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية وإذا كان صوما وقع مجزئا ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء والمخالف حمله على أن المراد إتمام صورة الصوم وهو متفق عليه ويجاب بما ذكرناه من حمل الصوم على الحقيقة الشرعية وإذا دار اللفظ بين حمله على المعنى اللغوي والشرعي كان حمله على الشرعي أولى اللهم إلا أن يكون ثم دليل خارج يقوي به هذا التأويل المرجوح فيعمل به.
وقوله: (فإنما الله أطعمه وسقاه) يستدل به على صحة الصوم فإن فيه إشعارا بأن الفعل الصادر منه مسلوب الإضافة إليه والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه والذين قالوا بالإفطار حملوا ذلك على أن المراد الإخبار برفع الإثم عنه وعدم المؤاخذة به وتعليق الحكم بالأكل والشرب لا يقتضي من حيث هو هو مخالفة في غيره لأنه تعليق الحكم باللقب فلا يدل على نفيه عما عداه أو لأنه تعليق الحكم بالغالب فإن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليه والتخصيص بالغالب لا يقتضي مفهوما.
وقد اختلف الفقهاء في جماع الناسي هل يوجب الفساد على قولنا: إن أكل الناسي لا يوجبه؟ واختلف أيضا القائلون بالفساد هل يوجب الكفارة؟ مع اتفاقهم على أكل الناسي لا يوجبها ومدار الكل على قصور حالة المجامع ناسيا عن حالة الأكل ناسيا فيما يتعلق بالعذر والنسيان ومن أراد إلحاق الجماع بالمنصوص عليه فإنما طريقه القياس والقياس مع الفارق متعذر إلا إذا بين القائس أن الوصف الفارق ملغى.
7- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم- وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها؟», قال: لا قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟», قال: لا, قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟», قال: لا, قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر- والعرق: المكتل- قال: «أين السائل؟», قال: أنا, قال: «خذ هذا فتصدق به» فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها- يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: «أطعمه أهلك».